الرئيسية » أساتذة و مختصون: "حان وقت إصلاح الشأن الديني في تونس بعيدا عن التجاذبات السياسية"

أساتذة و مختصون: "حان وقت إصلاح الشأن الديني في تونس بعيدا عن التجاذبات السياسية"

 

مداد - أمينة قويدر

أجمع الحاضرون، خلال ندوة فكرية حوارية نظمها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، الخميس 3 سبتمبر 2020، على أن إصلاح الشأن الديني صار اليوم من أكبر الأولويات في تونس بعد التهميش الذي كبّله لعقود، وذلك استجابة للمرحلة الجديدة التي تعيشها البلاد ما بعد الثورة، وأيضا لأهمية النهوض بالمنظومة القيمية والأخلاقية في المجتمع. واتفقوا على أن يتم ذلك بعيدا عن التجاذبات السياسية و الحسابات الضيقة.

كما أكد المختصون من  خبراء و علماء و أئمة و غيرهم، خلال هذه الندوة التي عقدت تحت عنوان" تحديات إصلاح الشأن الديني في تونس" وقدم خلالها المركز مشروعه "اليد في اليد لمكافحة التطرف والفساد" الهادف إلى الإصلاح، أكدوا أن الشأن الديني في تونس اليوم يرزح بين مشكلتين، أولهما الفقر المعرفي الذي تعاني منه فئات واسعة من المواطنين بسبب سياسية تجفيف المنابع التي خضعت لها البلاد لفترة طويلة، وثانيهما تحميل المجال الديني مسؤولية التصدي للانحلال الأخلاقي و كل أشكال التطرف التي حدثت خلال السنوات الأخيرة. كما أن تواصل سياسة إهمال هذا القطاع الحيوي ما بعد الثورة، دون القطاعات الأخرى، ساهم في تعميق الأزمة، وأضعف التناغم الضروري بين المنظومة الدينية من جهة و المرحلة الديمقراطية الجديدة التي تعيشها البلاد من جهة أخرى.

 

"الإصلاح مسؤولية الجميع بعيدا عن التجاذبات"

المصمودي

لدى افتتاحه الندوة، أكد رئيس مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية رضوان المصمودي أن إصلاح الشأن الديني من أهم الأولويات الآن في تونس، وذلك لعدة أسباب أهمها تعزيز قيم المواطنة و الحرية و العدالة و السلم الاجتماعي و التعددية الفكرية و السياسية و العقائدية في إطار الديمقراطية التي لا تستقيم دون ترسيخ هذه القيم في المجتمع.

وأوضح رضوان المصمودي أن الدعوة إلى الإصلاح مردها أيضا التغيرات التي تعيشها المجتمعات، وهو ما يتطلب إحداث تغييرات عميقة في الشأن الديني تتلاءم مع الظروف الجديدة، مع المحافظة على الثوابت، حتي تتم معالجة مشاكل المواطنين. كما أن المجتمعات لا تستقيم إلا بمنظومة أخلاقية و قيمية تنظم العلاقات بين الأفراد داخل الأسرة وفي إطار العمل و غير ذلك من المجالات، على حد قوله.

واعتبر في هذا السياق أن المنظومة الأخلاقية و القيمية في تونس أصبحت هشة و ضعيفة ، مشيرا إلى أن هذا الضعف بدأ منذ الاستقلال مع غلق جامع الزيتونة الذي كان المصدر الأساسي لفهم الدين في البلاد. بعد ذلك قام الرئيس المخلوع " بن علي" بتنفيذ سياسية تجفيف منابع التدين وفرض الرقابة المفرطة على مظاهر هذا التدين، وهكذا تواصلت سياسة تهميش الشأن الديني حتى بعد قيام الثورة.

وشدد المصمودي على أن إصلاح الشأن الديني اليوم ضرورة و مسؤولية الجميع من دولة ومجتمع مدني وعلماء و مختصين و أحزاب ببرنامج، بعيدا عن الصراعات الحزبية و السياسية و الأيديولوجية، داعيا إلى مضاعفة ميزانية وزارة الشؤون الدينية إذا كانت هناك رغبة في القيام بإصلاح حقيقي.

 

"اليد في اليد" في صلب إصلاح الشأن الديني بتونس"

نبيل اللباسي

من جانبه أوضح مدير مشروع "اليد في اليد لمكافحة التطرف و الفساد" نبيل اللباسي أن هذا المشروع يندرج في صلب عملية الإصلاح للشأن الديني، وهو يقدم دورات تدريبية تمتد لمدة سنة ونصف لفائدة أئمة الجمعة، أئمة الخمس، أساتذة التفكير الإسلامي، الواعظين والواعظات، الشباب الناشط ضمن جمعيات لها علاقة بالشأنين الديني و الاجتماعي.

وأضاف أن الدورات التدريبية تتمحور حول آليات مكافحة التطرف و الفساد، ونشر قيم المواطنة و حقوق الانسان، وفض النزاعات. و قد تم تنفيذ الجزء الأول من المشروع خلال الفترة الفاصلة بين سنتي (2017-2018) بخمس ولايات وهي: تونس، بنزرت، القيروان، القصرين، ومدنين، في حين سيشمل الجزء الثاني (2020-2021)11ولاية وهي: تونس الكبرى، سوسة، المنستير، المهدية، نابل، صفاقس، قفصة، سيدي بوزيد، قابس، مدنين، تطاوين.

وأضاف أن المشروع يهدف بالأساس إلى المساهمة في تطور الخطاب الديني و تشريك الفاعلين الدينيين في مكافحة العنف و التطرف و الفساد و نشر قيم المواطنة و المساهمة في فض النزاعات داخل المجتمع، و قد تمت صياغة المادة التدريبية من قبل لجنة تتكون من 14 باحث و خبير و أستاذ جامعي و مختصين في علوم الدين و الشريعة والاجتماع مشهود لهم بالكفاءة و الحياد برئاسة المفكر والدكتور أحميدة النيفر.

من جهة أخرى ردّ اللباسي على من هاجم المشروع، قائلا إن كل البرامج خضعت لتدقيق وزارة الشؤون الدينية من أجل ضمان تلائمها مع خيارات الوزارة و توجهات الدولة التونسية، وأن كل من ادعى وجود خلاف بين الوزارة و المركز بخصوص هذا المشروع وأن هناك سعي لفرض أجندة حزبية على الوزارة ادعاء باطل، وليس له أساس من الصحة، اذ لم يتم أي نشاط دون موافقتها.

 

"إرادة جماعية لتهميش القطاع الديني "

الجورشي

من جانبه أكد الإعلامي و الكاتب صلاح الدين الجورشي، في مداخلته، أن هناك صمت و إرادة جماعية ضمنية لتهميش القطاع الديني في تونس منذ زمن طويل وصولا إلى الحكومات المتعاقبة بعد الثورة و الأحزاب و ممثلي الشأن الديني أنفسهم، اذ لم يتوفر وعي و إيمان بأن هذه القضية استراتيجية، وانها ليست فقط جزء أساسي في عملية الانتقال الديمقراطي بل وأيضا في السياق الحضاري لكل بلد.

كما أضاف أن المنظومة الدينية في تونس تعاني أزمة هيكلية، و هو ما يستوجب الإسراع بعملية الإصلاح على أكثر من صعيد.

واعتبر الجورشي أن الإصلاح يتعلق بأربعة جوانب وهي: الجانب الخاص بالفكر وتصحيح المفاهيم و التصورات، و جانب التمييز بين مستويات المجال الديني، و آخر يتعلق بعدم تسييس الشأن الديني، و الجانب الرابع يتمحور حول الهيكلية وضبط مهام وزارة الشؤون الدينية.

 

"كل الأطراف تتنصل من الإصلاح"

منير التليلي

في ذات السياق اعتبر وزير الشؤون الدينية الأسبق و الأستاذ الجامعي بكلية الشريعة منير التليلي، أن موضوع الشأن الديني في تونس ما بعد الثورة بقي آخر ملف يتم ادراجه ضمن سياق الانتقال الديمقراطي.

و أكد على أن المنظومة الدينية مازالت تعاني بسبب التماس الحاصل بينها وبين الشأن السياسي، و أن كل الأطراف و على رأسها الأحزاب تتنصّل من أن يكون لها موقف واستراتيجية لإصلاح الشأن الديني رغم ما يسمح به الدستور من مجال لتفاعل الجميع.

و أشار الوزير الأسبق إلى أنه لا يمكن الحديث عن تجديد الخطاب الديني بمعزل عما أصاب الفكر الإسلامي من جمود على عقود طويلة، مشددا على أهمية وضع استراتيجية تقوم على مقاربة متوازنة توزع الأدوار مستقبلا بين الدولة و المجتمع المدني و تفعل فيها المؤسسات الدينية الرسمية.

 

"التجديد قضية انسانية.. ونحن مطالبون بتطوير واقعنا"

مورو

الشيخ عبد الفتاح مورو أكد على ضرورة إثارة قضية إصلاح الشأن الديني في هذه المرحلة من تاريخ تونس، "ذلك أن التجديد قضية انسانية لا تنتظر حكما جديدا لأننا أمام واقع متغير و نحن مطالبون بتطوير واقعنا.. وقد حان وقت الإصلاح".

و أضاف مورو "بقينا في ظلمة الماضي لا نطوّر و لا نتغير لأننا فقدنا الأمل في أن نكون فاعلين، و ليس للدين دور في تعطيلنا بل نحن عطلنا أنفسنا و عطلنا ديننا عن الإشعاع".

و أوضح أن كل المؤسسات المعنية بالشأن الديني عاجزة عن الإحاطة به، و"تبين لنا بعد 60 سنة أنه لا أحد يهتم بهذا الشأن و أنه أضعف الشؤون إنجازا و ثمرة، ذلك أن 8 % فقط من الأئمة ممن تنطبق عليهم شروط الإمامة، و يوجد 5500 مسجد في كامل تراب الجمهورية ولا يوجد في المقابل مدرسة يتخرج منها الأئمة".

كما أشار إلى غياب مؤسسات تشرف على طباعة الكتب الدينية، إضافة إلى غياب إعلام ديني و هو ما جعل تونس في مطب مذاهب دينية متعددة، مضيفا بأن الشأن الديني في تونس أهمل إهمالا كبيرا مما جعل الجميع يحمله مسؤولية التدهور الأخلاقي و الفساد و الضياع الإيديولوجي و غيره.

 

اشكاليات الإصلاح

استاذ

الأستاذ المتخصّص في الحضارة عبد السلام حمدي أكد أن الجميع يتفق حول ضرورة إصلاح الشأن الديني و لكنهم يختلفون في مداخل هذا الاصلاح.

و بين أن هناك عديد الإشكاليات المطروحة منها المرجعية الدينية للتونسيين، ذلك أن كثيرا من تفاصيل واقع التونسي في التدين تكشف وجود تعدد المرجعيات، و أن الكثير من المشكلات التي تحصل داخل الفضاء المسجدي سببها هذه المرجعيات المتباينة، وهو ما يتطلب معالجة هذه المسألة.

كما بين أن إشكالية أخرى مطروحة تتعلق بالقيم، فقيم الإسلام ثابتة و لكن المجتمعات تمر بتطورات، وهو ما يطرح سؤالا عن ماهية القيم التي يجب طرحها للإصلاح.

و أشار الأستاذ إلى ضرورة البحث في مداخل إصلاح الشأن الديني حتى تكون النتيجة ناجعة ومضمونة.

 

مقترحات للإصلاح

الشتيوي

أما مدير مركز البحوث و الدراسات في حوار الحضارات و الأديان محمد الشتيوي، فقد شدد من ناحيته على ضرورة أن يتحول إصلاح الشأن الديني إلى شأن وطني و تدرج الحكومات رؤيتها الإصلاحية في برامجها كبقية القطاعات.

وقدم الدكتور في هذا الخصوص جملة من المقترحات أهمها: دعم المؤسسات المعنية بالشأن الديني و أساسا وزارة الشؤون الدينية و دار الإفتاء و المجلس الإسلامي الأعلى و جامعة الزيتونة، والتصدي إلى الفكر المناهض للتجديد، التخلي النهائي عن التناول الأيديولوجي للقضايا الدينية المثيرة للتشنج و الصراعات، ترسيخ المشترك الديني الذي يجمع التونسيين و لا يفرقهم.

كما دعا إلى ضرورة احترام الحس الديني المشترك في المجتمع في الخطب و التصريحات لوسائل الإعلام، و إنشاء نوع من التفكير لا يفصل بين الديني و المدني، و بين الإسلامي الخاص و الكوني العام حتى لا يشعر المتدين بغربة في محيطه ، إضافة إلى توسيع الفكر المتعلق بالعمل الصالح ليشمل السلوك الإداري والاقتصادي والبيئي والمدني و الاقتصادي.

سامي براهم

من جهته اعتبر الباحث بمركز الدراسات و البحوث الاقتصادية و الاجتماعية بتونس سامي براهم إن الإصلاح يبدأ بتوضيح المفاهيم الدينية مما ينتج عن ذلك ممارسة سليمة فردية وجماعية على مستوى المؤسسات والدول، موضحا أن منظومة المواطنة والديمقراطية ستبقى غريبة في وجدان المسلم طالما لم تنسجم مع روح الدين الإسلامي.

كما أكد على ضرورة تجديد المعارف والعلوم والمفاهيم وتأصيل قيم العصر داخل المنظومة الإسلامية، "و حتى ينجح الإصلاح في الشأن الديني نحتاج إلى تضافر جهود المجتمع المدني و بعث هيئات تعديلية و إصلاح الإعلام الديني بالإضافة إلى استئناف حركة الإصلاح الديني في تونس التي توقفت منذ عقود..".

و أشار براهم إلى أن برنامج مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية التدريبي و التأطيري و ما شهده من حوار في اتجاه المصالحة بين قيم الدين وقيم العصر، و مشروعه "اليد في اليد" يتنزل ضمن رؤية لإصلاح الشأن الديني في البلاد.

هذا و شهدت الندوة نقاش ثري، توجه خلاله الجمهور الحاضر بعديد الأسئلة و الملاحظات إلى الأساتذة السالف ذكرهم تمحورت أغلبها حول كيفية إصلاح الشأن الديني في تونس، الأطراف المعنية بهذا الإصلاح، الظروف التي ساهمت في الوصول إلى الوضعية الحالية، تفاصيل مشروع "اليد في اليد".. وغيره .

وأجمع المشاركون على ضرورة الانطلاق في الإصلاح في أقرب الآجال، و النظر إلى إشكاليات القطاع بعقلانية بعيدا عن التشنج.

اصلاح الشأن الديني

 

توصيات:

 

 أوصى المتدخلون بـ:

• إعادة الاعتبار للشأن الديني في تونس.

• وضع استراتيجية و الشروع في الإصلاح الفعلي بما يتلاءم مع المرحلة الديمقراطية

• تحميل كل الأطراف، وزارة و مجتمع مدني و أحزاب و فاعلين دينيين، مسؤولية الإصلاح.

• الترفع عن التجاذبات السياسة و جعل إصلاح المجال الديني شأنا وطنيا.

• ضرورة أن تلتزم كل حكومة ببرنامج واضح يتعلق بإصلاح الشأن الديني.

• الترفيع في ميزانية وزارة الشؤون الدينية حتى تقوم بدورها.

• إعادة الاعتبار للمؤسسات الدينية على غرار دار الافتاء و جامعة الزيتونة و المجلس الإسلامي الأعلى.

• بعث كلية تختص في تكوين الأئمة و الفاعلين الدينيين .

 

 

*"تقرير ندوة  "تحديات و إشكاليات إصلاح الشأن الديني في تونس 

 

 

في نفس السياق